مقدمة كتابي تنمية الذاكرة
في عصر انتشرت فيه المعلومات وتوسعت العلوم وتطبيقاتها بصورة مذهلة ، وفى
زمن أصبحت سرعة تغيره وتطوره أهم معالمه ومن ناحية أخرى انتشرت فيه وسائل اللهو
والترفيه وكثرت مصادر الضوضاء والتشويش في مثل هذا الزمن صار كل واحد فينا بحاجة
إلى تدريب عقله على التركيز ليتمكن من مواكبة قطار الحياة السريع وليسلم من الشرود
والتشويش.
لا شك أن القدرة على التركيز صارت
من أهم مقومات النجاح يقول ( أ.ج . جريس ) أهم رجال الصناعة البارزين ( أن صب
الاهتمام فى العمل أو المشكلة التى قيد البحث ثم نسيان الأمر بتاتا بمجرد حسمه
والوصول الى قرار فيه ، بحيث تستعيد قوة تركيز ذهنك كاملة غير منقوصة من أهم
الأسباب المؤدية إلى النجاح في الحياة ) .
وقال هلفتيوس: " العبقرية ليست أكثر من تركيز الذهن " .
وقال فليبيس بروكسل: " إن حصر الاهتمام هو أول مقومات العبقرية
" .
والتركيز ما هو إلا توجيه الذهن
إلى موضوع بعينه توجيها كاملا كأن تحصر تفكيرك في مشكلة فى عملك فتنظر فى جميع
زواياها وجوانبها وتحلل وتقارن حتى تصل إلى الحل.
والتركيز أيضا هو تعريض الذهن زمنا كافيا لمؤثر معين دون النظر إلي
المؤثرات الأخرى , ونقصد بالمؤثر: هى المعلومات التي يتم استيعابها من خلال إحدى
الحواس: البصر ، السمع ، الذوق ، الحس ، الشم.
فمثلا: تركز فى صورة معينة في أشكالها وألوانها وظلالها دون الشعور بأي
مؤثر آخر فلا تشعر بالضوضاء حولك ولا تشعر برائحة المكان بل تحصر ذهنك في
الاستجابة لهذا المؤثر ألا وهو هذه الصورة التي أمامك.
ولقد كانت القرون الأولى من هذه الأمة شديدة التفوق في تركيز الذهن فيما هو
نافع ومفيد ومن أشد المجالات التي اتضحت فيها قدراتهم الهائلة على التركيز خشوعهم
فى الصلاة.
قيل لبعض السلف: هل تحدث نفسك بشيء من الدنيا في الصلاة ؟
فقال: لا في صلاة ولا في غيرها.
وقد روى أن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما كان يصلى فى جوف الكعبة وهو
محاصر بجيش عبد الملك بن مروان الذي يسدد ضرباته بالمنجنيق فمرت فلقة من حجر عظيم
بين لحيته وحلقه فما زال رضي الله عنه عن مقامه ولا ظهر على صورته هم ولا اهتمام.
وقد روي عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال عن نفسه أنه ما نام فحلم
ولا سهى فغفل , فإذا كان هذا هو شأن سلفنا الصالح وكان ذلك هو شأن التركيز فلننهض
محاولين أن نلحق بالركب عسى أن نكون من الفائزين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق